مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
في هذا المقال أبين فضل علم التفسير مستدلا على ذلك ب: القرآن , والسنة , وكلام العلماء .
فضائل علم التفسير :
فلعلم التفسير أهمية بالغة، ذلك لأن القرآن أنزله الله ليتدبره الناس ويفهمونه، وبالفهم تستريح الأنفس للعمل به وتطبيق ما فيه.
ولقد أشار الله تعالى إلي أهمية التفسير عند ما دعا إلي تدبر القرآن، فمثلا:
قَالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 82]
وَقَالَ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} [ص: 29]
وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [مُحَمَّدٍ: 24] .
وقد أمر الله عز وجل العلماء بتفسير كلامه وبيان ذلك للناس ونهاهم عن كتمان ذلك , فقال عز وجل:
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 187]
وقال تعالى أيضا – آمرا نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالقيام بمهمة التفسير: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ [النحل: 44].
وقد قام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمهمة خير قيام فكان أصحابه إذا أشكل عليهم شيء من القرآن سألوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيوضح ويبين لهم.
وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله مبينا مكانة وأهمية علم التفسير بين العلوم :
” اعلموا عبادَ الله، رحمكم الله، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية، وبُلِغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضًى، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حَميد ” ( 1 )
وقال الإمام القرطبي في أهمية علم التفسير :
” قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّفْسِيرِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَوَصْفَهُ بِالْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
جُعِلْتُ فداءك! تصف جابر بِالْعِلْمِ وَأَنْتَ أَنْتَ! فَقَالَ:
إِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى” إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ “. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُهُمْ بِمَا أُنْزِلَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُعْلَمَ فيما أنزلت وما يعني بها. وقال الشهبي: رَحَلَ مَسْرُوقٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَ الَّذِي يُفَسِّرُهَا رَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ: فَتَجَهَّزَ وَرَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى عَلِمَ تَفْسِيرِهَا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:” وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ” طلبت اسم هذا الرجل [الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ] أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى وَجَدْتُهُ. وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ:
مَثَلُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ، كَمَثَلِ قَوْمٍ جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ مَلِكِهِمْ لَيْلًا وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِصْبَاحٌ، فَتَدَاخَلَتْهُمْ رَوْعَةٌ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَابِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَعْرِفُ التَّفْسِيرَ كَمَثَلِ رَجُلٍ جَاءَهُمْ بِمِصْبَاحٍ فَقَرَءُوا ما في الكتاب
وعلى هذا فعلم التفسير أشرف العلوم لتعلقه بكتاب الله الذي هو أشرف الكتب على الإطلاق، وقد جعل بعض أهل العلم: العلم بالتفسير من فروض الكفاية الذي لا تبرأ ذمة الأمة إلا بوجود ولو طائفة منها على مر الزمان تتعلمه وتتقن أصوله وتدل الناس عليه.
قال الإمام السيوطي :
” وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَأَجَلُّ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ الشَّرْعِيَّةِ ” ( 3 )
وقال الواحدي :
” وَلَمَّا كَانَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى أَشْرَفَ الْمَعْلُومَاتِ، كَانَ الْعِلْمُ بِتَفْسِيرِهِ وَأَسْبَابِ تَنْزِيلِهِ وَمَعَانِيهِ وَتَأْوِيلِهِ، أَشْرَفَ الْعُلُومِ ” ( 4 )
خاتمه :
علم التفسير هو مفتاح فهم كلام الله تعالى وسبيل تدبر آياته والعمل به، مما يجعله من أعظم العلوم مكانة وأشدها ضرورة لكل مسلم.
فالاهتمام به لا يقتصر على كونه واجبًا شرعيًا بل هو أساس لكل معرفة شرعية أخرى.
فلنحرص على تعلمه وتعليمه ونشره بين الناس، عسى أن نكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصادر والمراجع للمقال
- ( تفسير الطبري , جامع البيان في تأويل القرآن , المؤلف:محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) المحقق:أحمد محمد شاكر , الناشر : مؤسسة الرسالة , الطبعة:الأولى ، 1420 هـ – 2000 م , ج 1 ص 6 )
- الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي]ـ المؤلف: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ) , تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش , الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة , الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م , ج 1 ص 26
- الإتقان في علوم القرآن , للإمام جلال الدين السيوطي , تحقيق :محمد أبو الفضل إبراهيم , الناشر : الهيئة المصرية العامة للكتاب , الطبعة:1394هـ/ 1974 م , ج 4 ص 199
- الوسيط في تفسير القرآن المجيد , المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت ٤٦٨هـ) , تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، الدكتور أحمد محمد صيرة، الدكتور أحمد عبد الغني الجمل، الدكتور عبد الرحمن عويس , قدمه وقرظه: الأستاذ الدكتور عبد الحي الفرماوي , الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان , الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ – ١٩٩٤ م , ج 1 ص 47